المقريزي
943
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ربيع . فأمروا بحفظ هذا اليوم ، كما قال في السّفر الثّاني من التّوراة : احفظوا هذا اليوم سنّة ، لخلوفكم إلى الدّهر في أربعة عشر من الشهر الأوّل ، وليس معنى الشّهر الأوّل هذا شهر تشري ، ولكنّه عنى به شهر نيسن ، من أجل أنّهم أمروا أن يكون شهر الباسخ « a » رأس شهورهم ، ويكون أوّل السّنة . فقال موسى - عليه السّلام - للشّعب : « اذكروا اليوم الذي حرجتم فيه من التّعبّد ، فلا تأكلوا خميرا في هذا اليوم ، في الشهر الذي ينضر فيه الشّجر » « 1 » . فلذلك اضطرّوا إلى استعمال سنة الشّمس ، ليقع اليوم الرّابع عشر من شهر نيسن في أوان الرّبيع حين تورق الأشجار وتزهر « b » الثّمار ، وإلى استعمال سنة « c » القمر ليكون جرمه فيه بدرا تامّ الضّوء في برج الميزان . وأحوجهم ذلك إلى إلحاق الأيّام التي يتقدّم بها عن الوقت المطلوب بالشّهور إذا استوفت أيّام شهر واحد ، فألحقوها بها شهرا تامّا سمّوه آذار الأوّل وسمّوا آذار الأصلي آذار الثّاني لأنّه ردف سميّا له وتلاه ، وسمّوا السّنة الكبيسة « عبّورا » اشتقاقا من معبارث وهي المرأة الحبلى بالعبرانية ، لأنّهم شبّهوا دخول الشّهر الزّائد في السّنة بحمل المرأة ما ليس من جملتها « 2 » ، ولهم في استخراج ذلك حسابات كثيرة مذكورة في الأزياج . وهم في عمل الأشهر مفترقون فرقتين : إحداهما الرّبّانيّة : واستعمالهم إيّاها على وجه الحساب بمسيري الشّمس والقمر الوسط ، سواء رئي الهلال أو لم ير ، فإنّ الشهر عندهم هو مدّة مفروضة تمضي من لدن الاجتماع الكائن بين الشّمس والقمر في كلّ شهر . وذلك أنّهم كانوا - وقت عودهم من الجالية ببابل إلى بيت المقدس - ينصبون على رؤوس الجبال ديادب ، ويقيمون رقباء للفحص عن الهلال ، وألزموهم بإيقاد النار ، وتدخين دخان يكون علامة لحصول الرّؤية . وكانت بينهم وبين السّامرة العداوة المعروفة ، فذهبت السّامرة ورفعوا الدّخان فوق الجبل قبل الرّؤية بيوم ، ووالوا بين ذلك شهورا اتّفق في أوائلها أنّ السّماء كانت متغيّمة حتى فطن لذلك من في بيت المقدس ، ورأوا الهلال غداة اليوم الرّابع أو الثّالث من الشهر مرتفعا عن الأفق من جهة المشرق ، فعرفوا أنّ السّامرة فتنتهم ، فالتجأوا إلى أصحاب التّعاليم في ذلك الزّمان ليأمنوا بما
--> ( a ) عند البيروني : الفصح ، وهي الصواب . ( b ) بولاق : تزهو . ( c ) عند البيروني : شهور . ( 1 ) ويعرف ب « عيد الفطير » ، انظر فيما يلي 961 . ( 2 ) البيروني : الآثار الباقية 52 - 53 .